ابن الأثير

462

الكامل في التاريخ

فلمّا وصل رستم القادسيّة وقف على العتيق بحيال عسكر سعد ونزل النّاس ، فما زالوا يتلاحقون حتى أعتموا من كثرتهم والمسلمون ممسكون عنهم . وكان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا ، منها فيل سابور الأبيض ، وكانت الفيلة تألفه ، فجعل في القلب ثمانية عشر فيلا ، وفي المجنّبتين خمسة عشر فيلا . فلمّا أصبح رستم من تلك اللّيلة ركب وساير العتيق نحو خفّان حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين ، ثمّ صعد حتى انتهى إلى القنطرة ، فتأمّل المسلمين ووقف على موضع يشرف منه عليهم ووقف على القنطرة ، وأرسل إلى زهرة فواقفه ، فأراده على أن يصالحه ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه من غير أن يصرّح له بذلك بل يقول له : كنتم جيراننا وكنّا نحسن إليكم ونحفظكم ، ويخبره عن صنيعهم مع العرب . فقال له زهرة : ليس أمرنا أمر أولئك ، إنّا لم نأتكم لطلب الدنيا إنّما طلبتنا وهمّتنا الآخرة ، وقد كنّا كما ذكرت إلى أن بعث اللَّه فينا رسولا فدعانا إلى ربّه فأجبناه ، فقال لرسوله : إنّي سلّطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني ، فأنا منتقم به منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرّين به ، وهو دين الحقّ لا يرغب عنه أحد إلّا ذلّ ، ولا يعتصم به أحد إلّا عزّ . فقال له رستم : ما هو ؟ قال : أمّا عموده الّذي لا يصلح إلّا به فشهادة أن لا إله إلّا اللَّه وأنّ محمّدا رسول اللَّه . قال : وأيّ شيء أيضا ؟ قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه ، والنّاس بنو آدم وحوّاء إخوة لأب وأمّ . قال : ما أحسن هذا ! [ ثمّ ] قال رستم : أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون أمركم ، أترجعون ؟ قال : إي واللَّه . قال : صدقتني ، أما إنّ أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السّفلة ، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم : تعدّوا طورهم وعادوا أشرافهم . فقال زهرة : نحن خير النّاس للنّاس ، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون بل نطيع اللَّه